مجمع البحوث الاسلامية

156

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بسوء تدبيرك ، وهو المرويّ عن ابن عبّاس وقتادة . وقيل : هو عامّ في اليهود والمنافقين ، وهو الأصحّ . وقيل : هو حكاية عمّن سبق ذكره قبل الآية ، وهم الّذين يقولون : ربّنا لم كتبت علينا القتال ؟ وتقديره : وإن تصب هؤلاء حسنة يقولوا : هذه من عند اللّه ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ . ( 2 : 78 ) الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى لمّا حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة ، حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى . وفي النّظم وجه آخر ، وهو أنّ هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنّهم إذا جاهدوا وقاتلوا فإن أصابوا راحة وغنيمة قالوا : هذه من عند اللّه ، وإن أصابهم مكروه قالوا : هذا من شؤم مصاحبة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا يدلّ على غاية حمقهم وجهلهم وشدّة عنادهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في الحسنة والسّيّئة وجوها : الأوّل : قال المفسّرون : كانت المدينة مملوءة من النّعم وقت مقدم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلمّا ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك اللّه عنهم بعض الإمساك ، كما جرت عادته في جميع الأمم ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ الأعراف : 94 ، فعند هذا قال اليهود والمنافقون : ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرّجل ، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم . فقوله تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ . . . يعني الخصب ورخص السّعر وتتابع الأمطار قالوا : هذا من عند اللّه ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ جدب وغلاء سعر قالوا : هذا من شؤم محمّد ، وهذا كقوله تعالى : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ الأعراف : 131 ، وعن قوم صالح : قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ النّمل : 47 . القول الثّاني : المراد من الحسنة : النّصر على الأعداء والغنيمة ، ومن السّيّئة : القتل والهزيمة . قال القاضي : والقول الأوّل هو المعتبر ، لأنّ إضافة الخصب والغلاء إلى اللّه وكثرة النّعم وقلّتها إلى اللّه جائزة ، أمّا إضافة النّصر والهزيمة إلى اللّه فغير جائزة ، لأنّ السّيّئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى اللّه . وأقول : القول كما قال على مذهبه ، أمّا على مذهبنا فالكلّ داخل في قضاء اللّه وقدره . المسألة الثّانية : اعلم أنّ السّيّئة تقع على البليّة والمعصية ، والحسنة على النّعمة والطّاعة ، قال تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الأعراف : 168 ، وقال : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ هود : 114 . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ . . . يفيد العموم في كلّ الحسنات ، وكذلك قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يفيد العموم في كلّ السّيّئات ، ثمّ قال بعد ذلك : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فهذا تصريح بأنّ جميع الحسنات والسّيّئات من اللّه ، ولمّا ثبت بما ذكرنا أنّ الطّاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة